ابن كثير

309

البداية والنهاية

ليسألني نصيب امرأته من أبيها ، فقلت إن شئتما دفعتها إليكما بذلك ، فتلتمسان مني قضاء غير ذلك ! فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة ، فإن عجزتما فادفعاها إلي فأنا أكفيكماها ( 1 ) . وقد رواه البخاري في أماكن متفرقة من صحيحه ، ومسلم وأهل السنن من طرق عن الزهري به . وفي رواية في الصحيحين فقال عمر : فوليها أبو بكر فعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم والله يعلم أنه صادق بار راشد تابع للحق ، ثم وليتها فعملت فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، والله يعلم أني صادق بار راشد تابع للحق . ثم جئتماني فدفعتها إليكما لتعملا فيها بما عمل رسول الله وأبو بكر وعملت فيها أنا ، أنشدكم بالله أدفعتها إليهما بذلك ؟ قالوا : نعم . ثم قال لهما . أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك ؟ قالا : نعم ، قال : أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك ! لا والذي بإذنه تقوم السماء والأرض . وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن الزهري عن مالك بن أوس قال : سمعت عمر يقول لعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد : نشدتكم بالله الذي تقوم السماء والأرض بأمره أعلمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : " لا نورث ما تركنا صدقة ؟ " قالوا نعم ! على شرط الصحيحين . قلت : وكل الذي سألاه - بعد تفويض النظر إليهما والله أعلم - هو أن يقسم بينهما النظر فيجعل لكل واحد منهما نظر ما كان يستحقه بالأرض لو قدر أنه كان وارثا ، وكأنهما قدما بين أيديهما جماعة من الصحابة منهم عثمان وابن عوف وطلحة والزبير وسعد ، وكان قد وقع بينهما خصومة شديدة بسبب إشاعة النظر بينهما ، فقالت الصحابة الذين قدموهم بين أيديهم : يا أمير المؤمنين اقض بينهما ، أو أرح أحدهما من الآخر . فكأن عمر رضي الله عنه تحرج من قسمة النظر بينهما بما يشبه قسمة الميراث ولو في الصورة الظاهرة محافظة على امتثال قوله صلى الله عليه وسلم " لا نورث ما تركنا صدقة " فامتنع عليهم كلهم وأبى من ذلك أشد الاباء رضي الله عنه وأرضاه . ثم إن عليا والعباس استمرا على ما كانا عليه ينظران فيها جميعا إلى زمان عثمان بن عفان ، فغلبه عليها علي وتركها له العباس بإشارة ابنه عبد الله رضي الله عنهما بين يدي عثمان ، كما رواه أحمد في مسنده . فاستمرت في أيدي العلويين . وقد تقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في مسندي الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فإني ولله الحمد جمعت لكل واحد منهما مجلدا ضخما ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورآه من الفقه النافع الصحيح ، ورتبته على أبواب الفقه المصطلح عليها اليوم . وقد روينا أن فاطمة رضي الله عنها احتجت أولا بالقياس وبالعموم في الآية الكريمة ، فأجابها الصديق بالنص على الخصوص بالمنع في حق النبي ، وأنها سلمت له ما قال . وهذا هو المظنون بها رضي الله عنها . وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، ثنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة أن فاطمة قالت لأبي بكر : من يرثك إذا مت ؟ قال ولدي وأهلي ، قالت : فما لنا لا نرث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : سمعت

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب الفرائض حديث 6728 . فتح الباري 12 / 6 .